الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

416

مختصر الامثل

ولكن كشف سبحانه في الآية الثالثة النقاب عن وجههم ، وأبطل هذه التبريرات الكاذبة وقال : « أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ » . ولكنّه سبحانه يأمر نبيّه مع ذلك أن ينصرف عن مجازاتهم وعقوبتهم فيقول : « فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ » . ولقد كان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يداري المنافقين ما أمكنه لأجل تظاهرهم بالإسلام ، لأنّه كان مأموراً بالتعامل معهم على حسب ظواهرهم ، فلم يكن يجازيهم إلّافي بعض الموارد الاستثنائية . ثم إنّه سبحانه يأمر النبي أن يعظهم ، وأن ينفذ إلى قلوبهم بالقول البالغ ، والعظة المؤثرة ، يذكرهم بنتائج أعمالهم : « وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا » . وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ( 64 ) في الآيات السابقة شجب القرآن الكريم التحاكم إلى حكّام الجور ، وفي هذه الآية يقول سبحانه مؤكداً : « وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ » . أي أنّنا بعثنا الأنبياء ليطاعوا بإذن اللَّه وأمره ولا يخالفهم أحد ، لأنّهم كانوا رسل اللَّه وسفراءه كما كانوا رؤساء الحكومة الإلهيّة أيضاً ، وعلى هذا يجب على الناس أن يطيعوهم من جهة بيان أحكام اللَّه ومن جهة طريقة تطبيقها ، ولا يكتفوا بمجرد ادعاء الإيمان . يستفاد من عبارة « بِإِذْنِ اللَّهِ » أنّ كل ما عند الأنبياء من اللَّه . ثم إنّه سبحانه يترك باب التوبة والإنابة - عقيب تلك الآية - مفتوحاً على العصاة والمذنبين ، وعلى الذين يراجعون الطواغيت ويتحاكمون إليهم أو يرتكبون معصية بنحو من الأنحاء ، ويقول : « وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا » . إشارة إلى أنّ فائدة الطاعة لأمر اللَّه وأمر الرسول تعود إليكم أنفسكم ، وإن مخالفة ذلك نوع من الظلم توقعونه على أنفسكم ، لأنّها تحطّم حياتكم المادية ، وتوجب تخلفكم